القائمة الأساسية
الرئيسية
تعريف
الأعمال
اتصل بي
مواقع
بحث

المواقع السورية على الشبكة ..هجوم الماتركس ..
آخر الكتابات
كوميديا الشباب في المشهد الدرامي
ضد الدجلنة..!
العالم لن يفنى.. كفّوا عن البلاهة..!
حين يكون المنتج أسير النوع الرائج..!أين الجمهور السوري في معادلة الإنتاج...
حين نصنع في الخيال صورتنا "سولاريس" مرة أخرى..
شعر

مؤلفات
نقد مؤلفات
مقالات

قراءات
مسرح
سينما
إعلام
حين نصنع في الخيال صورتنا "سولاريس" مرة أخرى..



تعرفت على رواية "سولاريس" للكاتب البولوني ستانسلاف ليم حين صدرت نسختها العربية بترجمةً المخرج محمد بدرخان، عن دار الحصاد في بداية تسعينيات القرن الماضي، و الحقيقة أنني سعيت للحصول عليها بإلحاح شديد، بعد أن شاهدت الفيلم السينمائي الرائع المأخوذ عنها والذي أنجزه في العام 1972 العبقري الروسي أندريه تاركوفسكي، و منذ قراءتي للرواية بدأت فتنتي بالخيال العلمي المصنوع أدبياً و فنياً بشكلٍ راقٍ و أميز هنا بين رقي هذا النوع الفني و بين سوقيته بعد أن باتت صناعة السينما تصدر لنا سنوياً العشرات من الأعمال "الخيالية العلمية" التي تنتج وفق صيغة تشويقية تجارية خالية من دسم المضامين الإنسانية و التي ربما يكون منها النسخة الفيلمية الجديدة التي صنعها المخرج الأمريكي ستيفن سودربرغ ومن بطولة النجم جورج كلوني في العام 2002..!
أقول: "بدأت فتنتي" و لا أنسى أن الذاكرة الطفولية لأي منا لابد ستكون محشوة بالخيال الذي يشبه خيالاً علمياً و لكنه يختلف عنه اختلافاً بيناً لأنه ينطلق من مكنونات غير منطقية و غير مصاغة بحسب التعليم المنظم و بحسب المنطق الجمعي و إذ أستعيد تلك الصور و الأفكار التي كنت أرسمها في عقلي صغيراً لما هو خيالي متعلق بالعوالم الكونية أرى كيف أن لجم الخيال - و هو مسعىً مضمر في آليات التعليم الذي تلقيناه في مدارسنا- قد أنتج في مرحلة ما عكسه تماماً فبدلاً من أن أمضي في العمل و التفكير وفق النظرة المحدودة للعالم و الكون وجدت نفسي و في تلك اللحظة التي انتهيت فيها من مشاهدة فيلم "سولاريس" أكتشف طاقةً هائلةً كامنة في داخلي تدعوني للخروج عن المنطق المؤطر الذي يضع الخيال العلمي ضمن مصفوفة الإبداع غير المؤثر اجتماعياً و لأعود بعد تأملٍ طويل و لأكتشف أن الإنسان يخرج في مساحة الغريب و غير المتوقع عن هيمنة المألوف و السائد الذي يفرض عليه مساراً حركياً و عقلياً يتماشى مع المجتمع و سلطاته و بالتالي فإننا و عبر التخييل المبني على كسر القواعد العلمية الرازحة نخطو خطوة إضافيةً باتجاه تفكيك ما هو مسلم به و يقيني و غير قابل للتشكيك، و إذ نعكس هذا الانتحاء على حيواتنا نرى كيف أن ما هو "كلي القدرة" في السلطة يصبح تافهاً و غير ذي قيمة بحسابات الكون الكبير الذي لا نعرف منه و عنه سوى القليل..! و إذا مضيناً قليلاً في منطلقات الخيال العلمي و خاصة ذلك الجزء المبني على ما أكتشفه العلماء من حقائق غيرت منطق التفكير بالكون يصبح المنعكس الاجتماعي الذي يرد في الحكايات عن العوالم المسكونة في المجرات البعيدة وارداً جداً إذ نعثر في الكثير من الأعمال الأدبية و السينمائية على تصورات بشرية للفردوس أو اليوطوبيا التي يقيمها الإنسان هاجساً كلما تنامى الظلم و القهر الاجتماعيين في حياته، ناهيك عن تلك التفريدات الفلسفية و الإبداعية التي تنتجها عقول صافية تربط بين هذا النزوع و بين الخيال الطفولي و مثالها كتاب "الأمير الصغير" للفرنسي أنطون دو سان إكزوبري، أو بين الخيال و الفلسفة كما يحدث لدينا هنا في "سولاريس" حيث نرى كيف أن الكوكب الذي يحمل هذا الاسم يدافع عن نفسه عبر محيطه البلازمي و الذي يشبه عقلاً محسوساً بأن يعيد للإنسان الذي يغزوه ماضيه و ذكرياته و آلامه عندما يعيد تجسيد الشخوص القابعين في الذاكرة خالقاً إياهم من جديد، تاركاً الإنسان ضمن مدار أسئلةٍ تنوس بين تصديق الوهم و بين الرفض و البحث عن الحقيقة، ليحيل العقل الإنساني إلى أسئلته الأولى عن الحب و الخلود و الموت و الحياة، و لتصبح شخصية بطل الرواية (كريس كالفن) كناية عن الإنسان الذي يخوض - بناءً على الحيثية الفيزيائية - مغامرته العاطفية التي تطهره من الماضي الذي أرتكب فيه الآثام بحق من يحب..!
الفتنة الخالصة المنقاة التي يصنعها فينا الخيال العلمي في أشكاله الراقية تندغم مع متعة الأدب و الفن في النتاج الإنساني الهائل، و لكن ما يمنح هذا النوع قيمته المضافة إنما يتأتى من كونه يبني شعريته في مستقبلنا الذي نسعى كبشر لأن نصنعه، بينما تعيدنا قوانين العالم الراهن إلى بقاعٍ نتخلف فيها و نصبح معها أشبه بوحوش كنا قد شاهدنا صورهم في أحد كتبنا المدرسية..!

تطوير شركة أوسكار