|
|
| حين يكون المنتج أسير النوع الرائج..!أين الجمهور السوري في معادلة الإنتاج الدرامي ؟ |
المتابع للحراك الإنتاجي الدرامي السوري يستطيع و دون عناء كبير أن يحدد عدداً من مشاكل هذا الإنتاج، وقد بدا لافتاً في ملتقى الدراما السورية الأول الذي انتهت فعالياته قبل فترة، ذلك الاستطراد الكبير في شرح معوقات الإنتاج و مشاكل المنتجين و المبدعين و الكوادر و مشاكل هذه الصناعة التي يراد لها أن تكوّن حراكاً فاعلاً في المجتمع كما عبرت توصيات الملتقى، و لكن شيئاً هاماً غاب عن التوصيات و غاب عن مجمل النقاشات - حامية الوطيس- التي جرت بين المخرجين و المنتجين و الباحثين ألا وهو التفكير بالجمهور السوري ضمن معادلة الإنتاج بوصفها سيرورة متكاملة و نقصد هنا البحث في تحديد موقع الجمهور / المُشاهد في آليات صناعة المسلسل الدرامي ، و قد يبدو الأمر غريباً للبعض الذي يظن أن السؤال عن الجمهور في هذه المعادلة هو ضرب من تضييع الوقت و شيء من تربيع المربع و تدوير الدائرة، و لكن في الحقيقة أيها السادة إن العلم بحسابات المنتجين التي تعتمد على نوعية النص و على اسم الكاتب و على نجومية النجم و على عضلات المخرج، كما هو واقع الحال الآن، يجعلنا ندقق قليلاً في خيارات هؤلاء و لنسأل: هل لدى هذه الشركات أقسام تقنية و علمية تدرس واقع السوق و طبيعة المزاج الجماهيري السوري كي تستفيد من نتائج هذه الدراسات في تحديد خياراتها الإنتاجية ؟
صحيح أن الجميع يتحدث عن الغاية الكبرى و هي إرضاء المُشاهد، و لكن هذا لا يعدو كونه محاولة لاسترضاء الجمهور عبر إيهامه أنه يقع في صلب المعادلة بينما يعرف المتابعون أن المُشاهد ينتظر الأعمال الدرامية في كل وقت دون أن يكون لديه فكرة عما ينتظره فيها، خاصةً و أنه لا توجد إلى هذه اللحظة أية استقصاءات أو دراسات توضح ميول الجمهور السوري في تعاطيه مع الدراما مما يضعنا على مسار يفضي إلى حقيقة أن المنتجين إما أن يكونوا مجرد تجار جهلة تحركهم خياراتهم المبنية على التكهن و الحظ، و إما أن يكونوا عالمين بضرورة أن يحسبوا حساب الجمهور في بداية المشروع الدرامي و لكنهم و لأسباب محض تجارية يتبعون معايير الشركات الإعلانية التي تحدد للزبائن المستهدفين (المحطات الفضائية) طبيعة المنتج الدرامي المطلوب ..!
"هواة الصنف " تعبير يغيب عن حسابات المنتجين و عقولهم و لهذا ترى كيف أن الإنتاج الدرامي يتبع الموجة التي تفرضها علينا حسابات المعلن الذي بات يتحكم في تحديد طبيعة الإنتاج ضمن الموسم كله كما حدث في رمضان الفائت حيث سيطرت الأعمال الاجتماعية كمياً (اثنا عشر مسلسلاً كان أبرزها مسلسل زمن العار و قاع المدينة و سحابة صيف ) و فرضت الدراما البيئة ( مسلسلين هما باب الحارة و بيت جدي ) نفسها في المحصلة لتحوز صفة الأكثر جماهيرية ..!
و لكن لو أننا أردنا أن نعيد رسم المشهد بحسب المُشاهد ذاته و بحسب تنوع و تعدد رغباته و حاجاته هل كنا سنحصل على نفس النتيجة؟ تحتوي لائحة تصنيف الأعمال الدرامية على أربعة أو خمسة تصنيفات متداولة منها الدراما الاجتماعية و كذلك التاريخية و البيئية و الفنتازية و الكوميدية بينما تغيب تصنيفات أخرى كدارما المغامرات و الرومانسية و البوليسية و الحربية عن لائحة المنتجين دون أي سبب مفهوم يجعل من غياب هذه النوعيات غائبة عن أجندة المنتجين فهل تنحصر نوعية المشاهدين السوريين في أولئك الذين يحبون النوعيات الأولى فقط ؟
"المُشاهد السوري ليس مشاهداً عادياً و يصعب إرضائه" ، جملة سمعناها و نسمعها بين الحين و الآخر و لكنها تتكرر كثيراً على ألسنة المخرجين و الممثلين حين يقفون أمام محاكمة من نوع ما تهدف إلى تقييم أعمالهم، غير أن أحداً من هؤلاء لم يسعفنا في أي وقت بشرح لجوهر الإختلاف الذي يلحقونه بالمُشاهد السوري و الذي يميزه عن غيره من المُشاهدين العرب، و لكن غياب التفسير لدى هؤلاء و غيرهم لا ينفي وجود شيء يثير الرهبة يكمن لدى المتلقي السوري و يتوقع ظهوره دائماً حين يتم طرح المنتج الدرامي أمامه، وهنا لابد سيسرع المستعجلون ليقولوا: طبعاً الجمهور السوري يثير الرهبة لدى أصحاب الأعمال الدرامية الاجتماعية لأن هذه الأعمال تنطلق أصلاً من لدنه وهو الأدرى بحقيقة دقة و مقاربة الدراما لواقعه..! و لهؤلاء نقول هذا الكلام صحيح و لكنه لا ينطبق على الجمهور السوري فقط بل إنه ينطبق على كل جمهور (وطني) و في أي مكان في الدنيا فالفرنسي كمثال هو الأدرى بالواقع الذي تتحدث عنه السينما و الدراما الفرنسية و محاكمة العمل الفرنسي تتم حقاً لدى الجمهور الفرنسي قبل غيره..، الأمر هنا حقيقة راسخة و مسلم بها و لكن ألا تلاحظون أن الخوف من الجمهور السوري يصبح رهاباً مبالغاً فيه في الكثير من الأحيان، خاصةً و أن هؤلاء الذين يبالغون في تحديد حجم تأثير ذائقة و مزاجية المُشاهد السوري في تلقي الأعمال الدرامية قد قاموا أصلا بإنتاج أعمالهم دون القيام بدراسة و تقييم ما الذي يريده هذا المتلقي من أنواعٍ درامية في هذا الموسم أو في ذلك العام و حين يحوز عملٍ و لسببٍ ما على استحسان الجمهور يصبح هذا الأمر عنصر إستقواء لأصحابها ضد خطابات النقاد والمثقفين الذين يكتبون عن مشاكل أو مساوئ هذه الأعمال و عبر هذا الاستحسان يجدون المبرر للغرق في سياسة الأجزاء المتتالية للعمل الدرامي كما حدث في تجربة مسلسل (باب الحارة) المستمرة إلى هذا اليوم و سيحدث في تجربتي (بيت جدي) و (أهل الراية) ..!
الحديث هنا و إن كان يُعنى بالمعادلة التشاركية بين المُشاهد و بين صناع الأعمال الدرامية إلا أنه يستبطن في دواخله احتيالاً من نوع ما يقترفه المنتج و الممثل و الكاتب و المخرج حين يقومون بإنتاج أعمالٍ ترضي جهات الزبائن و يخشى ألا ترضي الزبون الأول/ الجمهور، و حين يحدث أن يفشل العمل الدرامي في الحصول على استحسان الجمهور يسارع المنتج لاستدعاء فكرة تقول بأن سوء العمل يعود لكون الجهة الممولة التي يعمل معها تفرض نوعاً من النمطية في التوجه و كذلك يبرع الممثل في جعل الشرط الإنتاجي متحكماً بسوية عمله ذاته على الشخصية التي يؤديها في المسلسل..! و بينما يكتفي الكاتب بالقول أنه قد أستكتب هذا النص وفقاً لرغبة المنتج، يتوسع المخرج بالشرح ليحدثنا عن علاقة الإبداع بالشروط الإنتاجية..!
و لكن هؤلاء جميعاً ينسون أن الجمهور الذي ينطلقون من واقعه (الأعمال الاجتماعية ) و من ماضيه و فهم مثقفيه لتاريخه ( الأعمال التاريخية ) و من مخياله ( الأعمال الفنتازية ) و من بيئاته المتعددة ( الأعمال البيئية ) و من مسراته ( الأعمال الكوميدية ) يحتاج إلى تنوع إنتاجي أكبر يشتمل على توجهات إبداعية أعرض من الاكتفاء بقراءة الواقع و محاكاته .. إن الجمهور السوري و كما أزعم يحتاج للجديد و هذا مبعث الرهبة و الخوف منه، و هو لا يرضى أن تستمر الدراما في إعادة إنتاج نفسه ضمن أفق واحدٍ و مكرر..و أظن أن على المنتجين الحقيقيين الذين يعملون على تثبيت خطى هذه الصناعة أن يبحثوا عن آفاق جديدة للنجاح و أن يعيدوا النظر في بعض توجهاتهم التي فشلت في استحقاقها أمام الجمهور ..وأن يصرحوا بأنهم قد فشلوا في اختبار الجدارة أمام المُشاهد..!
الجميع يتحدث عن قلقه من الجمهور السوري ذي المزاج الصعب و ذي الذائقة المنفلتة ، و لكن أحداً لا يتحدث عن أن الجهات التي تقوم بالإنتاج لا تدرس السوق و لا ترى عيون الناس إلى أين تشخص و لا تبحث في عمق المزاج الشعبي كي تعرف أن ما هو غير متوقع من حيث القبول الجماهيري يمكن أن يصبح ممكناً و مطلوباً في حال تم الاشتغال عليه إبداعياً..و هنا لابد من أن نسجل تقديراً لمغامرة المخرج سيف الدين السبيعي ومن معه في التوجه نحو الدراما الغنائية كنوع جديد يضاف إلى أجندة المنتجين !
الجمهور السوري ليس كهفاً معتماً كي يدعي المبدعون الخوف من مزاجه بل إنه مثل كل الشعوب يتحسس حاجاته في المرئي و المسموع بحسب تأثيرات واقعه عليه، و على من يريد مخاطبة هذا الجمهور أن يفهم الحراك المتبدل في قاع بحره و أن يدرك أن التنوع السوري يحتاج إلى عقلية إنتاجية متنوعة تؤسس مسارها بشكل علمي مدروس و تستند في حراكها على القراءة العلمية لواقع و توجهات الجمهور وتذهب في كل الاتجاهات التي يطلبها هواة الصنف طالما كان هؤلاء أولاً و أخيراً هم الورقة الرابحة..!
|
|