|
|
انتهيت قبل أيام من قراءة كتاب " عالم تسكنه الشياطين " للباحث و العالم الأمريكي كارل ساغان الذي رحل عن عالمنا في عام 1997 و من بين كتبه التي ترجمت سابقاً للعربية ( كتاب الكون ، كتاب الأرض نقطة زرقاء باهتة في الأفق) يكتسب هذا الكتاب أهميةً خاصة تتضح للقارئ عبر العنوان الفرعي الذي حمله و هو " الفكر العلمي في مواجهة الدجل و الخرافة "، فهنا وضع ساغان خلاصة تفكيره في الرد على المزاعم اللاعلمية التي تسود العالم حيال الظواهر الغريبة التي يقدم لنا الإعلام التجاري تفاسيره لها على أرضية مليئة بالتشويق و الخداع بغية جذب القارئ و استغلاله مادياً و إحاطته بمنظومة متكاملة من التأويلات يدعي صناعها أنها علمية و هي في الحقيقة ليست سوى دجل ..!
ساغان الباحث العلمي الذي لا يشق له غبار أراد أن يودع العالم بهذا الكتاب، الذي شرع في تأليفه حين عرف أن مرضه لن يترك له سوى القليل من الوقت، و لا أدري إن كان هاجس ساغان آنذاك كان آنياً ومحصوراً بتقديم ردود مباشرة على تيار الدجلنة، الذي يتحكم بالمواطن الأمريكي أم كان إستراتيجياً يبغي التأكيد على ضرورة أن يعيد العالم كله حساباته، تجاه التيارات الفكرية و السياسية التي تسعى إلى إبقاء سكان الكوكب رهائن لدى الميديا المتحالفة مع الأصولية التي ترفض العلم و نتائجه ..!
الجواب على سؤالنا يحتاج إلى تعمق خاص، أعتقد أن أولى نتائجه تفيد بأن الدجلنة ليست محصورة بالعالم المتخلف بل إنها تمتد لتشمل الدول المتقدمة أيضاً، و التي تعيش نخبها العلمية و الثقافية المتنورة صراعاً قاسياً مع التجهيليين الذين يرفضون الحقائق العلمية و يروجون لنقيضها..!
فإذا كان كارل ساغان قد سعى لأن يفند الكثير مما تتداوله العامة عن الصحون الطائرة و الزوار من الكواكب الأخرى و عن قارة أطلنتيس المفقودة و دوائر الحقول و عن غيرها من معتقدات، فإن ما يمثله عقل ساغان و فكره إنما هو جوهر التفكير العلمي الذي يقاوم صناعة التجهيل التي تحكمنا بها وسائل الإعلام الغربية، و الذي يجب أن يصبح مثالاً عن ضرورة أن يشحذ العلمانيون قواهم في كل مكان لمواجهة صناعة التجهيل، و أظن أننا في المنطقة العربية و في هذه الأيام نحتاج لهذا الجوهر أكثر من أي وقت مضى طالما أننا نعيش أزمات متعددة تتعثر حلولها العقلانية و المنطقية و تتراجع ليحل مكانها السعي الدؤوب من قبل الأصولية و تيارات التجهيل، لفرض حلول غيبية تعيد المجتمع إلى الوراء عشرات و مئات السنين، و إذا نظرنا إلى أحد أكبر الأمثلة على هذه الأزمات و هي المشكلات الصحية والمرضية، نرى كيف أن الفضائيات التجارية و كذلك بعض الفضائيات الحكومية تلجأ إلى بث مواد إعلامية - تدعي أنها علمية - تشكك المشاهد بجدوى الطب السريري، و لتفرض عليه في المقابل أنواعاً بديلة من العلاجات كاللجوء إلى الأعشاب و إلى العلاج عبر الكتب الدينية المقدسة و ما إلى غير ذلك ..!
و إذا كان العلماء و الأطباء يقولون بأن الطب العلمي و منذ قسم أبقراط و رغم تقدمه الهائل مازال في بدايات طريقه نحو حل المشاكل المرضية للإنسان، فإن دجالي الطب على الفضائيات العربية يدعون أنهم قد وجدوا الحل عبر عقار ما أو عبر عدد من التعاويذ المستلة من هذا الكتاب أو ذاك ..!
و بينما تعيش المنقطة العربية تفريغاً مستمراً لها من الباحثين و مراكز الأبحاث العلمية نرى كيف أن المنابر الإعلامية قد أمست محتلةً من مدعي المعرفة والمفسرين و الدجالين الذين يخرجون إلينا بترهاتٍ ليس لها أي قيمة في الأعراف العلمية، و كلنا يذكر قبل عامين كيف أن إحدى الفضائيات قد ظلت ولوقتٍ طويلٍ تستضيف بعض السحرة و المشعوذين، تاركة لهم مساحتها كي يجيبوا على أسئلة الكثيرين ممن غُرر بهم قبل أن تستفيق سلطة البلد العربي الذي منح لهذه الفضائية ترخيصها و لتقوم بإغلاقها تحت ضغط احتجاجات المثقفين و رجال الدين المتنورين..!
العلم هو الحل و لا أعتقد أن أحداً عاقلاً يجرؤ على الإدعاء بعكس ذلك و لكن هناك الكثيرين من غير العقلاء ممن يعملون ليل نهار على التشكيك بالمنجز العلمي الذي أنتجته البشرية في كافة المجالات و أظن أن المعركة بين هؤلاء و هؤلاء ستبقى مستمرةً طالما أن هناك ورثة مخلصين للعلم و رجاله الذين لن يكون كارل ساغان أخرهم بالتأكيد ..!
|
|