|
|
| كوميديا الشباب في المشهد الدرامي |
أتاح الظرف الإنتاجي الدرامي السوري المتسع و المزدحم طيلة العقدين الأخيرين الفرصة لظهور تجارب كوميدية مهمة و ملفتة قام عمادها الأساسي على رؤى شابة استطاعت و رغم ثقل و رسوخ الإرث الكوميدي الدرامي السوري السابق و الذي صنعه رواد الدراما و المسرح و السينما منذ خمسينيات القرن العشرين ، و قد بدا للمشاهدين الذين تابعوا توالد و تواتر ظهور الوجوه الكوميدية الشابة أن الجيل الجديد من صناع الدراما قد وضع نصب عينيه إعادة الاعتبار للضحك بوصفه الوجه الأخر للدراما و التي باتت كتسمية شائعة تدل على الأعمال الجادة و التي تتوزع بين التراجيديا و بين الميلودراما و الدراما البوليسية و الوطنية و غيرها من أنواع ، و منذ بداية التسعينيات و مع عودة رواد الكوميديا إلى العمل التلفزيوني كان لابد من أن تبدأ روح المنافسة بين روح هؤلاء الرواد و بين روح الشباب المندفع و هكذا ظهرت لدينا و على يد كتاب شباب أيضاً أعمال كوميدية مثل " أحلام أبو الهنا " الذي كتبه حكم البابا والذي شكل عودة مهمة جداً للكبير دريد لحام و أيضاً "عائلة خمس نجوم" لحكم البابا أيضاً و لكن عبر فريق من الممثلين الشباب الذين جعلوا من هذا العمل نموذجاً أولاً لما يمكن أن يقدموه في هذا المجال الصعب ، و نقول صعب لأن النماذج التي كانت قد رسخت في عقل المشاهد لم تكن نماذج سهلة التجاوز من مثل سلسلة "مرايا" ذات الطابع النقدي الساخر، و إذا كان الحس الساخر الذي انطلقت منه تجربة "عائلة خمس نجوم " و التي أبدع فيها أولئك الممثلين الشباب ( فارس الحلو ، أمل عرفة ، أندريه سكاف) قد تحول فيما بعد و عبر استنساخ التجربة في أجزاء لاحقة من خلال ممثلين آخرين إلى تكرار باهت لما سبق فإن الحاجة الماسة لخلق تجارب أخرى قد أمست ضاغطةً و كان لابد للتجارب الكوميدية التي قدمها في الوقت نفسه الفنان أيمن زيدان أن ترسخ التوجه الكوميدي الذي دفع باتجاه الاستفادة من كوميديا الموضوع و الموقف و التي تذهب باتجاه ممارسة النقد و لعل هذا أهم ما ميز هذه التجارب التي نهضت في ذلك الوقت فهي ذات حس اجتماعي يحاول التحايل على الرقابة من أجل توجيه أعلى جرعات النقد للمنظومة الاجتماعية و الإدارية الراسخة في المجتمع السوري آنذاك و مع تتالي التجارب كان على مفهوم الرقابة ذاته أن يسترخي قليلاً من أجل الاستفادة من الكوميديا ذاتها و ذلك من أجل تغيير الصورة السائدة عن الرقابة و من يقف ورائها ..!
و قد تميزت هذه الكوميديا من حيث الشكل بأنها ديناميكية و أقرب للمشاهد و ذلك لاعتمادها على ذات الآليات المستخدمة في صناعة الدراما و التي تطورت بشكلٍ كبير خلال فترة التسعينات من القرن الماضي ..! من حيث الأداء التمثيلي بدا جلياً أنها لا تقوم على تكريس الممثل للكاركتر أو الشخصية قدر تكريس العمل كله لكوميديا الموقف، فمن من الجمهور يتذكر شخصيات تلك الأعمال بمفردها و دون سياقها الذي برزت فيه؟
و مع قدوم الألفية الجديدة و مع تنامي عدد الممثلين السوريين الشباب بدا أن على الكوميديا أن تجدد نفسها طالما أن الرقابة التي كانت تعيق تقدمها قد خففت كثيراً خطوطها الحمراء و هكذا ظهرت تجربة "بقعة ضوء" لتشكل المقدمة الأولى لتكريس جيل كامل من الممثلين الكوميديين الذين مازالوا يبدعون مشاهدهم الكوميدية العميقة كنضال سيجري و باسم ياخور و أندريه سكاف و أمل عرفة و عبد المنعم عمايري و محمد خير الجراح و غيرهم ..
و لعل التحديق بعمق في طبيعة كوميديا اللوحات المنفصلة التي قدمت في هذه التجربة يجعلنا نعتقد بأن ما تم تكريسه سابقاً في سلسلة "مرايا" للمبدع ياسر العظمة بات عتيقاً و أن ما يقدمه الشباب كتاباً و ممثلين يضع الفعل الكوميدي في صيغة مؤتلفة مع تطورات العصر و لعل مجرد استمرارية التجربة و لعدد غير قليل من السنوات يوضح أنها لم تكن لتستمر لولا ديناميكيتها ..
و في ظلال هذه التجارب الكوميدية الجماعية كان لابد من ظهور تجارب فردية نزعت نحو اقتراح أدوات جديدة و نحو تصورات مختلفة و هنا تبرز و بكل تأكيد تجربة أمل عرفة في مسلسلها الشهير " دنيا " و تجربة محمد عمر أوسو في عدة مسلسلات كان أخرها " كثير من الحب كثير من العنف " و تحفل هاتان التجربتان بعدد من نقاط التشابه من حيث البنية و الصياغة مع الإختلاف طبعاً بينهما من حيث التيمة و الموضوع و لعل أولى نقاط التشابه تكمن في أنهما تنطلقان من بؤرة إبداعية خاصة بالممثل فأمل و كذلك محمد أوسو كتبا نصوصهما الإبداعية كي يقوما بأداء الشخصية الرئيسية في هذه الأعمال و قد بدا الاشتغال واضحاً في هذه النصوص على آليات بناء الكاركتر بما يفسح المجال لإظهار طاقاتٍ و إضاءة مساراتٍ لم تظهر في سياق الأعمال الكوميدية التي قاما بالعمل فيها كممثلين و هنا لابد من التذكير بأن طبيعة الكاركترات التي تم تقديمها في كلا التجربتين هي طبيعة خاصة مما يكسب المقترح الإبداعي فيها ميزة الجدة و الابتكار فعالم الشغالات في البيوت ( اللفايات ) في مسلسل "دنيا" هو عالم جديد على الدراما السورية و كذلك تحمل مواصفات شخصية هارون في " كثير من الحب كثير من العنف " الكثير من تفاصيل شريحةٍ غير قليلة من الشباب السوري الذي يعيش على الهامش و عوالم قاع المدينة ..!
و بينما بدت الشخصيات التي تم تقديمها في الأعمال الكوميدية ذات الصبغة الجماعية هي شخصيات تقوم و تنهض ضمن الموقف و تنطفئ بمجرد انتهائه جاءت الشخصيات المقدمة في كلتا التجربتين قابلة للاستمرار حتى بعد انتهاء عدد حلقات المسلسل مما يظهر الحجم الكبير للعمل الذي بذل على إنشاء و بناء الشخصية التي تتجول في عوالم تظهر فيها حدة التناقضات الاجتماعية و بما يكسب المواقف الكوميدية شيء من السوداوية التي سرعان ما يتم تجاوزها إلى ذروة الموقف الكوميدي حيث يكون انتصار الشخصية الكوميدية مبني على إظهار العطب الأخلاقي الذي تعيشه بعض الشرائح الغنية المرفهة الغارقة في الفساد الاجتماعي ..!
هذه الصيغة المقدمة من قبل هذين المبدعين قد تبدو من حيث كونها أعمال كوميدية استمرار لتجارب أمست علامات فارقة في تاريخ الكوميدية السورية من مثل مسلسل " أحلام أبو الهنا " الذي يعتمد صيغة "الإنسان الصغير" في مواجهة الجماعة ، و لكنها تختلف عنها في كونها تسعى لتقديم التجربة الإبداعية من حيث كونها مغامرة قد تحتمل الفشل كما تحتمل النجاح و لعل حرص مبدعيها على عدم تحويلها إلى سلاسل ممتدة يوضح إلى أي حد كان هؤلاء حريصين على جعلها مجرد محطات في مسيرة طويلة تحتاج إلى قدر هائل من التفكير كي تضمن حب الناس لها..!
|
|