|
|
| عزيزتي مكتبة ميسلون: سأعترف لك ومنذ البداية أنني و في العام 1985 قمت بسرقة (لطش) ثلاثة كتب من على رفوفك ؛ كتاب "لغز عشتار" لفراس السواح، و مجلدين من مجلدات تشيخوف الأربعة، و لأنك كنت و إلى أخر أيامك ترفعين شعار " نشر الثقافة التقدمية"، فإنني أجزم أنك لم و لن تزعلي، و لن تقدمي شكوى ضدي إلى رجال الأمن، لأن قلبك واسع، و لأنك تعرفين أنك كنت ملاذ الصعاليك، ممن يريدون أن يطالعوا الكتب، و ليس لديهم ما يكفي من نقود..!
و لأنك كذلك فإنني سأضع أمامك حكايتي معك منذ البداية؛ فأنت يا عزيزتي لم تكوني مجرد مكتبة، بل كنت علامة مختلفة في السياق، و أقصد نسق المكتبات في شوارع دمشق، و بما أنك قد تطوعت لتكوني مركزاً لتوزيع الكتب السوفيتية و الكتب ذات النبر التنويري، فقد تعاملنا معك و منذ البداية على أنك مركزاً لنا نحن الذين أغوتنا الأفكار المختلفة و الروايات المحرضة و الأشعار المغايرة..!
و رغم أننا لم نكن نملك ما يكفينا من نقود كي نحصل على كل ما نشتهي من وجبات ثقافية رائعة، فقد كنا نمد أيدينا لنستدين منك بعض الكتب، و كنا نقول في أنفسنا سيأتي اليوم الذي نرد فيه الدين ..! و مع الأيام التي كانت تمضي من أعمارنا، و مع تراكم الديون هنا و هناك، كنا ننسى و ربما كنا نتناسى، بعد أن غير الكثير منا مواقعهم، و بعد أن أحرق الكثير منا مكتباتهم و خاصة تلك ذات الأغلفة الحمراء، و ربما مات الكثير منا دون أن يوفوا ديونهم و ربما ذهب البعض بعيداً في الكفر بما عرفوه من كتبك فذهبوا إلى مكتبات أخرى صفراء، و ربما أُفقر البعض منا إلى الدرجة التي باتوا يبيعون فيها كنوزك على الرصيف، و ربما أفتن البعض بالثورة الرقمية فمضوا عميقاً في القراءة عبر الحاسوب و ربما و ربما ..!
و في المحصلة كنا نبتعد شيئاً فشيئاً عن رفوفك و عن الكتب التي كانت تتجدد دون أن نقدر على متابعتها، دون أن نجرؤ على الاعتراف بتقصيرنا صوبها، بل إننا كنا نكتفي بترداد الكلام عن الأزمات و عن سوء الدخل، دون أن نفكر بحقيقة بسيطة قوامها أنه لو قام كل واحد منا بشراء كتاب واحد في السنة من عندك، لما قررت أن تغادري عالمنا..!
قد يضحك البعض عليّ حين سيقرأون رسالتي هذه و قد يقهقهون على سذاجة ما أفكر فيه و لكنني يا عزيزتي ميسلون أظن أن مشكلتك اقتصادية وإجرائية في شكلها الظاهر و ثقافية في عمقها ، ستسألينني كيف ؟ ، و سأجيبك : المشكلة ليست في ما نتحدث عنه من تراجع الثقافة في المجتمع بل هي في تراجع الدعم المخصص للثقافة و اضمحلاله و لا أقصد المال الذي يدفع لتمويل المؤسسات الثقافية بل أقصد المال الذي يدخل إلى جيوبنا أولاً و المال الذي يجب أن تدعم به صناعة الكتاب في سورية و التي يجري التعامل معها كقطاع ربحي، رغم أنها ومن هذه الناحية لا تقارن مع أي قطاع أخر، إذ أن أي مطعم يجني أرباحاً تفوق ما تجنيه عدة دور نشر و عدة مكتبات ، و في النهاية وفي القانون أنت و المطعم سواء هو يطعمنا و أنتي تطعميننا هو يربح و أنت تخسرين ..!
عزيزتي ميسلون لا أدري و أنت قد حزمت حقائبك لتغادري الصالحية و تغادري دمشق كلها ما الذي استطيع فعله كي أثنيك عن قرارك؟
هل أدفع لك ثمن الكتب الثلاثة ؟
رغم أنني قد عوضت عنها بشراء عشرات الكتب منك لاحقاً ! أم أنك الآن لم تعودي بحاجة لأي شيء ؟ ربما يجب علي أن أسأل نفسي ما الذي أحتاجه أنا الآن بعد أن أقفلت مكتبة ميسلون و بعد أن اضمحلت المكتبات في دمشق و تحول أغلبها إلى محلات تبيع أشياء أخرى أكثر رواجاً ..!
ما الذي يحتاجه غيري و قد تحولت حياتنا في وسط العاصمة دمشق من مركز ثقافي وفني إلى مركز تجاري يبيع و يشتري كل شيء بعد أن تخلص و عبر السنين الماضية مما يسميه البعض بأورام الذاكرة ..!! |
|